Feeds:
Posts
Comments

Archive for February, 2011

بعد أسبوع على الإطاحة بالرئيس المصري حسني مبارك وبنظامه وحزبه الوطني لا بد لنا من وقفة مع الذات والتساؤل عن أسباب نجاح الثورة المصرية أو كذلك الثورة التونسية. فبعد القضاء على اثنين من أهم الأنظمة البوليسية في الوطن العربي لم تتوقف الأقلام عن الكتابة، بل يمكن القول الآن: لم تتوقف أجهزة الحاسوب عن خط الكلمات، خاصة وأننا نعيش في عصر الثورة التكنولوجية ولم نعد نستخدم الورقة والقلم إلا في بعض الأحيان. بدأنا نسمع ونقرأ التحليلات في بعض الأحيان والتأويلات في أحيان أخرى عن سر نجاح هذه الثورات التي قادها شباب لا ينتمون في غالب الأحيان إلى الأحزاب السياسية (المهترئة) بل يحملون عقيدة تجمعهم، بغض النظر عن مكان سكناهم، فكل هؤلاء يبحثون عن شيء واحد فقط، ألا وهو حياة كريمة وفرص عمل تضمن لهم مستقبلاً آمنا.

الكل أطلق على ثورتي تونس ومصر اسم ثورات الفيس بوك التي ستطيح بجميع الزعماء العرب، نعم إنها ثورة الفيس بوك والمدونات وتويتر، ثورة الموبايل والإنترنت. هذا مع التذكير بأن البعض وصف التظاهرات في بدايتها بثورة الجياع التي لن تؤتي أكلها. لقد كانت بالفعل ثورة الجياع، لكن ليس أولئك الباحثين عن خفض سعر رغيف الخبز، بل الباحثين عن رفع رصيد كرامتهم وشرف أمتهم. إنهم جياع للحرية وعطشى لمستقبل يقررون فيه مصيرهم بأنفسهم.

لكن الأهم في هذه الثورات أنها جاءت من الداخل دون إملاءات خارجية، دون تدخل الغرب قبل كل شيء ودون حروب تحت مسمى إحلال الديمقراطية والإطاحة بالديكتاتورية، كما حصل في العراق. إنها ثورة شباب تخرج من الجامعات والكثير منهم تخرج من كبرى الجامعات الغربية، الأمر الذي يعني أنهم ليسوا جياعاً بل إن الكثيرين منهم من أبناء العائلات، كما يسمونهم في الوطن العربي. إنهم أناس يستطيعون شراء جهاز الكمبيوتر المحمول وجوال آي فون والبلاك بيري. نعم، إنهم شباب يتطلعون فقط إلى حرية وكرامة وحياة لا يتحكم فيها من يسلبهم أحلامهم.

وبالعودة إلى ثورة الفيس بوك أو الإعلام الجديد لا بد من التطرق إلى فضل الإعلام التقليدي في نقل الصور المباشرة من ميدان التحرير وقبلها من شوارع تونس. هذه القنوات التي فضحت سياسات الإعلام الرسمي الذي لا يتكلم إلا بلسان الرئيس والملك ووزير الدولة، هذا الإعلام الذي وُجد أصلاً للقضاء على أحلام الشعوب العربية. ولكن لا أريد إضاعة الوقت في وصف هذا الإعلام، بل التركيز أكثر على الفضائيات التي حاولت نقل صور الشارع وحقيقة الموقف، بغض النظر إن كان هذا النقل يحمل سياسات وأجندات محددة، أم أنه حقاً يريد نقل صور الشارع. فأعتقد أن المواطن العربي ليس ساذجاً إلى هذا الحد لكي لا يستطيع التفريق بين الإعلام النظيف أو صاحب الأطماع والسياسات المحددة. فقد استطاعت الفضائيات دعم المتظاهرين في شوارع مصر وتونس، والآن في الكثير من عواصم الدول العربية. فكلنا يعرف أن استخدام الإنترنت في البلاد العربية ليس سهلاً وليس ممكنا (مادياً) للجميع، ويواجه الحجب والرقابة والفصل أحياناً من الأنظمة العربية الحاكمة. ولذا كان للفضائيات دور هام ومحوري في توصيل صورة الشارع للمواطن المقيم في بيته أو ذاك الجالس على أريكته في لندن وبرلين وباريس وواشنطن. ومن هنا مهد الإعلام الجديد خاصة الفيس بوك إلى هذه الثورات وفتح الطريق لها.

وقبل الفيس بوك لعبت المدونات دوراً هاماً في حياة الشباب العربي بشكل خاص، واستطاعت هذه المدونات نشر الوعي السياسي بين جيل لم يعرف إلا حاكماً واحداً بيده الأمر والنهي. جيل فتحت عيناه على حكم أزلي وحاكم لا يموت. إلا أن المدونات استطاعت ومنذ انتشارها بشكل كبير عام 2005 توعية هذا الجيل الذي انفتح على العالم وبدأ يدرك بأنه قادر على النهوض بنفسه وأمته. واستطاعت المدونات التي وجدت في مصر أرضاً خصبة أحياناً ووعرة أحياناً أخرى، نشر الوعي بين أبناء هذا الجيل، هذا الوعي الذي لم تستطع الأحزاب السياسية الموجودة منذ الأزل نشره، حتى المعارضة منها، أو نشر جزء منه، لأنها لم تكن تسعى لغير الوصول إلى الحكم وتسيير البلاد بناء على رغباتها وطموحاتها التي لا تتعدى طموحات القائمين عليها.

ومن هنا يمكن القول بأن على الأحزاب السياسية التفكير أولاً بجدوى وجودها وأيديولجياتها، إن كانت أصلاً تتناسب وجيل الثورات الجديد، أم أنها أصبحت جزءا من التاريخ. فمجرد تأسيس مجموعة على موقع فيس بوك، اشترك فيها أكثر من 700 ألف شخص خلال أسبوع فقط، فكم تحتاج يا ترى الأحزاب السياسية حتى تجمع نصف هذا العدد حولها؟

إن ثورة الفيس بوك غيرت المفاهيم والأيديلوجيات وغيرت حتى طبيعة النظرة الخارجية للعالم العربي. فمنذ انطلاق المظاهرات وقف العالم بأسره مكتوف الأيدي، لا يستطيع سوى المراقبة والانتظار. حتى أن الولايات المتحدة بعظمتها لم تستطع اتخاذ موقف واضح لما يجري في تونس ومصر، لم تستطع الدول الحليفة إصدار بيان واحد واتخاذ موقف واحد، لأنها لم تكن تتوقع أن يحصل ما حصل في دولة مثل مصر، فهي معتادة على قمع كل التظاهرات التي تجوب شوارع المدن العربية. ومعتادة أيضاً أن يخبو الشارع العربي بعد يوم أو يومين، حتى لو سقط العشرات من القتلى. ومن هنا استطاعت ثورة الفيس بوك لجم حتى الدول العظمى عن إصدار بيان واضح المعالم، فلم تستطع أكثر من تكرار ما تقوله مع كل تطور في الشارع.

ومن هنا استطاع ميدان التحرير ترسيخ الحرية، ليس الحرية من نظام استبدادي فحسب، بل الحرية والتحرر من كل الأفكار التي كانت توجه للشباب العربي، فمن هذا الميدان عادت لمصر كرامتها، ومنه أيضاً انطلقت شرارة الحرية والتخلص من العبودية، فيه صمد الثوار وفيه نام الأحرار، منه انطلق شرارة التحرير ومنه أعادت مصر ابتسامتها. ففي مساء 11 فبراير/شباط عادت للمصريين ابتسامتهم لتنشر عبقها في أرجاء الوطن العربي، هذه الابتسامة التي طال انتظارها ثلاثة عقود من الزمن. لكن الإرادة القوية والعزيمة الراسخة استطاعت التغلب على الظلم. عزيمة شباب فاق على حكم مستبد وحاكم لا يعرف الهوان، شباب ولد في ظل هذا الحكم ولم يعرف غيره، لكنه استطاع الوقوف في وجهه وتحدي الصعاب، شباب ضحى بالغالي والنفيس من أجل حرية أم الدنيا، أرض الكنانة.

 

Advertisements

Read Full Post »