Feeds:
Posts
Comments

Archive for May, 2012

 زاهي علاوي

مرت مصر خلال أقل من عامين بمراجل تاريخية حاسمة، فبعد انطلاق ثورة الخامس والعشرين من يناير والاطاحة بنظام دكتاتوري جثم على صدور المصريين لأكثر من ثلاثين عاماً، تعود الناس خلالها على تحمل الظلم واعتباره أمراً عادياً وطبيعيا. لكن ثورة الشباب المصري التي خرجت من قلب المعاناة ومن رحم آلام الأمهات وآمال الشباب، حاولت هذه الثورة رسم خارطة جديدة في البلاد. ولكن هذا الشباب نسي أو تناسى كل المعطيات الموجودة على الأرض. فبعد إعلان المجلس العسكري حكمه رسمياً للبلاد لحين إجراء انتخابات ديمقراطية تحدد الخارطة السياسية للبلاد، أخذ شباب الثورة بالإعلان عن مواقفهم الرافضة للخطوات التي عمل المجلس العسكري على ترسيخها في مصر. فبعد الإعلان عن تعديل دستوري بسيط، يسمح بإجراء انتخابات برلمانية (ومعلناً صراحة عدم وجود صلاحيات لهذا البرلمان) تهافتت الأحزاب السياسية على دعم هذه الخطوة مستغلين عطش الشارع المصري لديمقراطية حقيقية من أجل الوصول إلى الحكم. وعكست هذه الخطوة مدى وعي الشارع المصري لما يجري من تطورات على الأرض. وتوقع شباب الفيسبوك بأنهم قادرون على إقناع الشارع بعدم جدوى هذه الخطوة، ولكن سرعان ما تحولت هذه القناعة إلى كابوس يحلق في سماء الديمقراطية المصرية. ففي الوقت الذي صوت فيه أكثر من ٩٠٪ من شباب الفيسبوك ضد هذه الخطوة، أيد أكثر من ٧٥٪ من الشارع المصري خطوة تعديل الدستور.

هذا التأييد لخطوة التعديل، ينم عن مدى جهل الكثيرين للواقع السياسي، أو عن مدى محاولة بعض الأحزاب السياسية استغلال المرحلة لدخول المعترك السياسي والوصول إلى الحكم. قد يفهم البعض أنني أتهجم على الاحزاب السياسية، لكن الواقع والدلالات التي نتجت عن الانتخابات سواء البرلمانية أو الرئاسية، تثبت صحة ما أقول. وبالعودة إلى الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي أدت نتائجها إلى شعور الكثيرين بالإحباط، لا بد من التنويه إلى أن الديمقراطية ونتائجها تأتي في كثير من الأحيان بنتائج عكس التي يتمانها الشارع. ومصر في هذه الآونة، وبعد ثورة أطاحت بحكم دام ثلاثة عقود من الزمن كانت تحلم بحكم يقود البلاد إلى بر الأمان.

ولكن تناسى الكثيرون أن هذه الإنتخابات لا تعبر عن ديمقراطية حقيقية، فهي منقوصة حتى الآن، لأن الرئيس القادم لا يملك صلاحيات ولا يعرف إن كان المجلس العسكري سيسلم الحكم إلى سلطة مدنية أم لا، أو حتى الاحتفاظ بالصلاحيات التي تخوله (المجلس العسكري) بحكم البلاد كما يشاء، ومنح الرئيس صلاحية حل البرلمان والتوقيع على القوانين، التي لا يستطيع مجلس الشعب حتى الآن إقرارها. وأذكر هنا أيضاً أن الرئيس القادم لا يعرف إن كان سيحكم بناء على حكم رئاسي أو برلماني، أو خليط؟ فمعالم الطريق لهذا الرئيس لا زالت طي الكتمان، وأنا لست متفائلاً بامتلاك الرئيس القادم صلاحيات تخوله لحكم البلاد.

وكمراقب لما جرى ويجري في مصر، لا بد من القول والتذكير بأن الديمقراطية الحقيقية مبنية على أساس واضح ودستور يحدد مهام كل سلطة من السلطات الثلاث، ولكن الدستور المصري (إن صح التعبير بتسميته دستور) لا يحدد أي صلاحيات، فالمجلس العسكري هو الآمر الناهي وهو الحاكم للبلاد، وهو من حدد زمن وكيفية إجراء الانتخابات وهو من قرر بالسماح لبعض الشخصيات دخول المعركة الانتخابية وحرم آخرين بناء على أهواء تناسب تفكيره وسياساته. وهنا أريد التذكير بأن الحياة السياسية في مصر أثبتت بأن مجلس الشعب لا يسطيع تغيير مجرد وزارة انتقالية، أو ما يعرف بحكومة تسيير الأعمال، فبعد مقاطعة حزب الحرية والعدالة لجلسات البرلمان، مطالبين بتغيير حكومة الجنزوري، وعد المجلس العسكري الاخوان المسلمين بإجراء تعديل وزاري خلال ثمان وأربعين ساعة، ومضت الساعات والأيام، بل والأسابيع ولم يتغير أي شيء، فعن أي ديمقراطية نتحدث في مصر، وعن أي برلمان ورئيس قادم؟ وهنا لا بد من وقفة مع الذات ومعرفة إلى أين المصير. لا بد من التيقن بأن الديمقراطية لا تنبني على آمال وتوقعات، بل هي مبنية على دساتير تحدد الخارطة السياسية في كل بلد.

Advertisements

Read Full Post »